• ×

08:58 مساءً , السبت 17 أغسطس 2019

فايز سارة - مدار اليوم

السوريون وثورتهم على facebook

فايز سارة - مدار اليوم

 0  0  10.5K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لا أبالغ إذا قلت، إن موقع التواصل الاجتماعي facebook، لعب دوراً مهماً في حياة السوريين في السنوات الأخيرة، ومثل كل أدوات التواصل. فقد كانت له إيجابيات وسلبيات، لم تكن نابعة من وظيفته بقدر ما كانت متصلة بالمستخدمين الذين جعلوا منه نافذتهم، التي يطلون فيها على العالم، ويتواصلون معه من خلال هذه الأداة.
لقد بدأ facebook سهلاً في الانضمام إليه، وبسيطاً لناحية سهولة استخدامه، ورخيص الكلفة لدرجة تتناسب مع إمكانيات الفئات الفقيرة، ومتعدد المهمات، إذ ينقل نصوصاً وصوراً وأغاني وأحاسيس أيضاً، وهذه جميعها، تشكل بعضاً مما يحيط بـfacebook من صفات وقدرات بسيطة وجبارة في آن معاً.

لعل الأكثر إثارة في علاقة السوريين بـfacebook، كان اللجوء إليه في أواخر العام 2010، عندما انطلقت شرارات الربيع العربي في تونس ومصر، ولأن السوريين كانوا تواقين للتغيير في بلدهم، وليست لديهم أدوات حرة للتواصل فيما بينهم ومع العالم من حولهم، فقد توجهوا إلى facebook، التي نشرت صفحاته أول أحاسيسهم بالربيع العربي، وأول دعواتهم للخروج في وجه نظام الاستبداد، وعبره تم الإعلان عن تشكيل تعبيرات حراكهم السياسي والمدني والشعبي من تنسيقيات وجمعيات وأحزاب سياسية، وتوالت على صفحاته أخبارهم ونشاطاتهم لدرجة يمكن القول، إنه الأرشيف الأكثر شمولية في ثورة السوريين على نظامهم.

وإذ استغل السوريون facebook في ثورتهم، فقد بدا من الطبيعي لجوء النظام إلى ذات الوسيلة للدفاع عن نفسه والهجوم على خصومه على نحو ما عبر عنه تشكيل للنظام باسم الجيش الالكتروني وتشكيلات أخرى، وانقسمت ساحة العمل في facebook بين الثورة والمعارضة بما فيهما من تكوينات، والنظام بما يتبعه من أدوات، وكان ذلك انقساماً طبيعياً، لا مشكلة فيه، ولا غبارَ عليه.

ووسط الانقسام بين طرفين متصارعين لكل منهما مواقفه الأساسية، تكونت فئة ثالثة، كانت أشبه مايكون بـ”الطابور الخامس”. وهي فئة تعاني الاختلاط في كل شيء: في الولاء والموقف وأشكال التعبير عنهما، مما جعلها تبدو ملتبسة، مترددة ومتقلبة وغير مستقرة، ناقدة وشتامة ويائسة ومحبطة.

ورغم أن هذه الفئة كانت محدودة في البداية، وأغلبها جاء من غاضبين ومشككين، سعوا إلى إثارة الالتباسات حول قضايا الثورة وشخوصها وتنظيماتها وأهدافها انطلاقاً من موقع الناقد الذي يعتمد بعض المعطيات بغض النظر عن مصداقيتها، ثم انضم إليهم مقربون من النظام وبعض الذين اعلنوا موقف الحياد أو بالقرب منه، وأغلبهم دخل لعبة النقد المغرض، والتشكيك في الموضوعات المتصلة بثورة السوريين بهدف إيصالها وجمهورها إلى الطريق المسدود وإلى الإحباط، وصولاً إلى الهزيمة، متوافقين في مساعيهم واهدافهم مع الأطراف التابعة للنظام في facebook.

الفئة الأخرى في طابور facebook الخامس، فئة تحسب نفسها على ثورة السوريين، لكنها من حيث النتيجة، تصل بنفسها إلى الموقع الآخر من خلال ما تقوله، وتفعله، وتروج له في ميدان القول والفعل، وقسم من المنضوين في هذه الفئة، جاء من حواف الثورة أو بالقرب منها. بعضهم من ذوي الاديولوجيات، التي تعارض توجهات ثورة السوريين في السعي للحرية وللديمقراطية والعدالة والمساواة مثل دعاة الدولة الدينية والخلافة الاسلامية من المنتمين الى جماعات متطرفة، وآخرين غاضبين، ولغضبهم أسباب مختلفة بينها التعصب القومي والديني والطائفي، والمعادين للنظام الحاكم أو لمؤسسات وأجهزة وأشخاص فيه، وآخرين لهم اعتراضات على مسار الثورة وشعاراتها وممارسات بعض مؤسسات أوهياكل وشخصيات فيها، وأغلبية هؤلاء، الحقوا من حيث أقوالهم وأفعالهم على موقع facebook ضرراً بالثورة، وأخروا قدرتها على الانتصار، وتحقيق أهدافها في خدمة السوريين.

خلاصة القول، إن موقع التواصل الاجتماعي facebook، أعطى فئات واسعة من السوريين قوة تواصل فيما بينهم، ووصول إلى الآخرين، لم تكن تتوفر في وقت سابق من أجل خدمة ثورتهم، وقد أفاد في الفترة الأولى في إطلاق طاقاتهم وتنظيمها، قبل أن ينتبه النظام إلى تلك القدرة، ويسعى بلا نتيجة إلى احتوائها وتحويلها إلى خدمة أهدافه في وأد الثورة وإفشالها، لكن انضمام الطابور الخامس إلى جهد النظام، أثر بصورة سلبية على مسار الثورة، وخدم أعدائها ولو بحدود معينة.

ولعله لايحتاج إلى تأكيد، قول أنه ثمة حاجة أكيدة للسوريين من أنصار الثورة والعاملين من أجل انتصارها إلى إعادة ترتيب علاقاتهم مع موقع التواصل الاجتماعي facebook، وتوظيف قدراته اللامحدودة في المعركة ضد النظام بمؤسساته وأجهزته والعاملين في خدمته، وفي التصدي للطابور الخامس الذي لعب دوراً سلبياً في تشويه الثورة وهياكلها والشخصيات العاملة في إطارها.

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:58 مساءً السبت 17 أغسطس 2019.