• ×

09:16 مساءً , السبت 17 أغسطس 2019

إبراهيم نمر - قاسيون

الصحفي السوري من الموت المحتم للعيش المؤجل!

إبراهيم نمر - قاسيون

 0  0  10.8K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
فرضت ظروف الحرب الدائرة في سورية، مع دخولها العام الخامس، حالة استثنائية على معظم الصحفيين الذين وقفوا إلى جانب «الثورة» السورية، لا بل، أفرزت عدداً كبيراً من الصحفيين الهواة اللذين بدؤوا بكاميراتهم الصغيرة، بتجسيد المظاهرات، وتصويرها؛ وإرسالها إلى المحطات العربية، والعالمية؛ رغم قلة الخبرة، والمعالجة الفنية للصور، والمشاهد المصورة، ورغم هشاشة التقارير التي كانت تشوبها الكثير من الأخطاء المهنية، كانوا يستطيعون إيصال ما يريدون، لا بل تفوقوا على الصحفي المهني في أحايين كثيرة!!.

كانت معظم الأحداث يقوم بنقلها هؤلاء الهواة، بعد تخاذل النسبة الأكبر من الجسم الصحفي، ووقوفه إلى جانب النظام سواءً برضاه أم مجبراً على ذلك خوفاً من الإساءة لأهله وأسرته.

مع طول أمد «الثورة» بدأت التقارير الصحفية تكون أكثر قوةً؛ ومصداقية، نتيجة اكتساب الخبرة، إذ بدأ هؤلاء بتفريغ المشاهد المصورة، وإعادة عمليات المونتاج، وكتابة التقارير من خلال ورشات عمل إعلامية لكل منطقة أو تنسيقية على حدة, هذا العمل الفدائي الذي كان يقوم به الصحفيون في أقل تقدير، يمكن تصنيفه بالحربي، حيث كان هؤلاء يضعون أرواحهم على أكفهم، وهم يتناقلون بين مناطق الصراع داخل سوريا، ويتحملون مشاق الطرقات، والحواجز الأمنية والجيش والشبيحة، وكان الإعلامي يعتبر هدفاً مشروعاً لكل هؤلاء، لقد وضع النظام كل قوته في الشهر الأول من عمر «الثورة» السورية لإجهاض صوت هؤلاء الصحفيين المحاربين الجدد، ولم يوفر النظام وأجهزته الأمنية وسيلة قمع إلا استخدموها في قمع هؤلاء الشبان، والقضاء عليهم من قنص؛ وقتل؛ واعتقال؛ وتعذيب، هذه الممارسات التي أدت في نهاية المطاف إلى تهجير معظم هؤلاء الصحفيين هرباً من الموت والاعتقال.

لقد رحل جيل كامل من الإعلاميين الذين بدؤوا العمل الإعلامي، منذ بداية «الثورة» منهم من سقط شهيداً، ومنهم من اعتقل؛ واختطف؛ لكن العدد الأكبر فضل الهرب خارج سوريا، خصوصا دول الجوار مثل (لبنان، الأردن، تركيا، وكوردستان العراق)، ومن ثم الهروب إلى أوروبا، وما ذكرته اللجنة الدولية لحماية الصحفيين- مقرها نيويورك- على لسان «سالازار» منسقة اللجنة حول هروب (101) صحفي سوري من داخل البلاد منذ آذار 2011، قد لا يعبر عن العدد الحقيقي من الصحفيين الهاربين من أرض النزاع في سوريا.

ومن المؤكد أن العدد يفوق ذلك بكثير، وما تم ذكره أيضا عن هروب (16) صحفي في عام 2015، أيضا لا يعبر عن حقيقة العدد المهجر من الصحفيين. لقد أثبتت جميع التقارير الدولية الصادرة منذ عام 2011 حتى اليوم، أن الصحفي في سوريا هو أكثر تعرضٍ للقتل؛ والاعتقال؛ والاختطاف؛ وكانت البدايات على أيدي النظام وأجهزته الأمنية؛ والجيش، وفيما بعد على أيدي الجماعات المسلحة، والفصائل العسكرية أيضاً، لا سيما تنظيم الدولة الإرهابي «داعش» في بلد تعسكرت فيه الحياة مناصفة، بين الدولة الفاشلة القاتلة لأبنائها؛ والمئات من الفصائل العسكرية المدعومة بأجندات مختلفة كلُ حسب داعميه. هذه الفصائل المدعومة بالأعلام السوداء البعيدة كل البعد عن أهداف «الثورة» السورية التي كانت في الأساس ثورة حرية وكرامة.

إن هذه الفصائل، وبالتناوب مع النظام القاتل، مارست شتى وسائل القتل العمد، وقطع الرؤوس، وارتكبت المجازر الجماعية بحق الشعب السوري بمختلف فئاته، والصحفيون كانوا من ضحايا هذا العنف المنظم والمستهدفون دائماً من قبلهم. لقد خرج «جهاد أسعد محمد» الصحفي الخلوق؛ والبارز، والمعروف بمناصرته لسلمية الثورة والتغيير، ليعتقل على إحدى الحواجز الأمنية وسط دمشق، «شارع الثورة» بكمينٍ وضع له، منذ عام 2013، ولم تتمكن أسرته، وزوجته حتى اللحظة من معرفة مكان احتجازه، ولم يقدم للمحاكمة البتّة!!.

إنه فادي زيدان الذي جال بكاميراته معظم مناطق الصراع، لينتهي به المطاف في الغربة في السويد عام 2014 لاجئاً، وكذلك الأمر الصحفي عمر إسماعيل الذي هرب إلى كردستان العراق، حيث يقول عمر: «لن يكون هذا المنفى الأخير لي أفكر جديا في السفر إلى أوروبا، تعبت كثيراً، وأنا أفكر بمصير أولادي، كي لا يعيشوا ما عشته».

أما الصحفي «عامر عبد السلام» الذي عمل في التلفزيون الألماني، كمراسل من السليمانية، يقول: «أنا أعمل حالياً لدى تلفزيون المدى، وأفكر جدياً في مغادرة أربيل قريباً، مثل كل زملائي الذين هربوا إلى أوروبا»، أما الصحفي عبيدة البطل المراسل للعديد من الشبكات والوكالات، فما زال مصيره، كما مصير الصحفي فرهاد حمو والمصور الصحفي مسعود عقيل مجهولاً، وفي غاية الخطورة، كون الثلاثة مختطفون من تنظيم «داعش».

ليس أمام الصحفي السوري، خيارا آخر أفضل من الهروب إلى أوروبا، وهناك من نجح في السفر عن طريق هيئات إعلامية دولية، مثل منظمة الصحفيين «مراسلون بلا حدود» وهناك الأكثرية بجهدهم الشخصي، اختاروا منفاهم براً عبر الغابات؛ والجبال، والثلوج... وبحراً مع قوارب الموت، والحظ في الوصول، وجواً بمبالغ خيالية بعد أن باع ما فوقه- وتحته- كل الخيارات تلك، وهم غير آبهين لمخاطر السفر من عصابات التشليح، وحتى القتل؛ والموت غرقا في البحار... حقاً إنه الصحفي السوري، الذي حتى في هروبه، يستحق لقب الصحفي الحربي بجدارة.

التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 09:16 مساءً السبت 17 أغسطس 2019.